تعددت الأسباب والموت واحد

لجأ الإنسان للتعذيب منذ قديم الأزل، وتفنن في ابتداع أبشع الطرق لجعل الضحية تتمني الموت ألف مرة علي أن تبقي في ذلك العذاب.
والتعذيب النفسي أحد أنواع التعذيب التي لا تستند إلى الأذى البدني، إنما يشير إلى التقنيات التي تخترق العقل وتعرض الإنسان للصدمة النفسية.

هل سمعت يوماً عن التعذيب باللون الأبيض The white torture؟


في الآونة الأخيرة، أثارت الصور الفوتوغرافية ومصادر الأخبار وقصص السجناء السابقين تساؤلات حول استخدام الدول والحكومات لأساليب التعذيب المتطرف ضد أعدائها، وفي حين أعلنت اتفاقية جنيف لعام 1949 أن بعض ممارسات التعذيب لا إنسانية، فإن التعذيب العقلي موجود في منطقة رمادية، لأنه لا يترك أي علامات بدنية وهي إحدى طرق التعذيب التي تلجأ لها الدول عندما تتفادى تعذيب المساجين جسديّاً.
ما يسمى "التعذيب الأبيض" يستخدم تقنيات الحرمان الحسي لأنه ينطوي على إزالة المحفزات من الحواس الخمس؛ الضوء والصوت، والرائحة، واللمس، والتذوق، ويؤدي إلى الهلوسة.
 

الجنون في غياهب السجون


تمت دراسة هذه الطريقة لأول مرة في عام 1951 كطريقة ممكنة للسماح للحكومات البريطانية والأمريكية والكندية بغسل دماغ السجناء، حيث يوضع السجين في غرفة بيضاء بالكامل، ومضاءة بمصابيح بيضاء، ويرتدي ملابس بيضاء، ويقدم له طعام أبيض اللون كالأرز الأبيض. ليس هذا فحسب، بل يجب أن يكون المكان صامتاً تماماً أيضاً، فلا يسمع السجين إلا الأصوات التي يصدرها فقط ويبقى السجين في تلك العزلة، ولا يتحدث إلى أي شخص.

وفي عام 2004 قامت الحكومة الإيرانية بسجن الطالب أمير فخرفار والبالغ من العمر17عاما في غرفة بيضاء تماماً لانتقاده علناً للنظام الإيراني وبرغم تعرضه للتعذيب البدني في سجون مختلفة غير أنه قال لشبكة سي إن إن "إن الوقت الذي قضاه في غرفة التعذيب البيضاء هو الأكثر ضررا". 

سارة شورد 

في عام 2009 اعتُقلت سارة شورد مع زميليها شاين باور وجوش فتال في نهاية شهر يوليو قرب الحدود مع العراق بتهمة دخول الأراضي الإيرانية بشكل غير مشروع، إلا إن الثلاثة قالوا أنهم اجتازوها عن طريق الخطأ بعد إن تاهوا في مناطق كردستان العراق، وقضت شورد ورفاقها الذكور ما يقدر بـ 410 أيام محصورة في زنزانات فردية دون تفاعل بشري، عانت شورد من نوبات ذعر وهلوسة وقلق شديد أثناء سجنها وبعد إطلاق سراحها في سبتمبر/أيلول 2010، شخص الأطباء شوورد باضطراب الإجهاد اللاحق للصدمة، مما يوضح الضرر النفسي الطويل الأجل لهذه الممارسة.
 

الوجه الأسود للون الأبيض

أشارت دراسة أجراها جون ليتش في جامعة بورتسموث في عام 2016، إلى إن عدم وجود تفاعل اجتماعي لفترات طويلة من الزمن، يتسبب في أن يواجه الضحايا صعوبة في تحديد ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي والغرض من هذا النوع من العقاب عادة هو غرس الخوف في السجين على الرغم من أن النتائج أكثر خطورة من مجرد سجين خائف. فالمحتجز يفقد هويته في هذه العملية، ولا يستطيع أن يتذكر من هو ولا أي شخص من عائلته لأنه يفقد قدرته على التعرف على الأشخاص المعروفين.
تعذيب الغرفة البيضاء بمثابة بؤس نفسي لا يتخلص منه السجين حتى بعد الخروج من السجن. إذ تستمر المعاناة إلى ما لا نهاية ولا يعود الشخص إلى طبيعته أبداً. قد تساعد جلسات الطب النفسي إلى حد ما، لكن الشفاء العقلي التام حلم بعيد المنال لهؤلاء السجناء.